أبي منصور الماتريدي

243

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ . الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ هو كما ذكر في آية أخرى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام ، وقد ذكرنا فائدة قوله : بَلْ هُمْ أَضَلُّ في موضعه . ويحتمل قوله : شَرَّ الدَّوَابِّ أي : شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان . ثم اختلف فيه : قال بعضهم « 1 » : نزل في بني قريظة ؛ حيث عاهدوا رسول الله ، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره ، فأقالهم رسول الله ، وكانوا يقولون : نسينا وأخطأنا ، ثم عاهدهم ثانية ، فنقضوا العهد ، فذلك قوله : ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ : نقض العهد ، أو لا يتقون الشرك . وقال بعضهم : نزل قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ . . . إلى آخر الآية ، في المردة والفراعنة من الكفار ، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا ، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به ؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا ، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى ؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة . وقوله - عزّ وجل - : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ . قيل : تأمرنهم في الحرب . وقيل : تلقينهم في الحرب . وقيل « 2 » : تجدنهم في الحرب . فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ . قيل « 3 » : نكل بهم من بعدهم ، أي : اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم ، أي : يمتنعون . وقيل « 4 » : فعظ بهم من خلفهم ، أي : من سواهم . الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ، وكانت عادتهم نقض العهد ، فأمر - عز

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 257 ) ونسبه للكلبي ومقاتل ، والرازي في تفسيره ( 15 / 146 ) ونسبه لابن عباس ، والسيوطي في الدر ( 3 / 347 ) وعزاه لأبي الشيخ عن سعيد بن جبير . ( 2 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 56 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 271 ) ( 16227 ) ، ( 16228 ) و ( 16232 ) عن ابن عباس ، وعن غيره ، وذكر له السيوطي في الدر ( 3 / 347 ) طرقا عنه . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 271 ) ( 16229 ) عن قتادة .